أحمد بن يحيى العمري
347
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وقوم وصلوا بطاعة الله تعالى إلى كرامة الله تعالى . قال الله تعالى : يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . « 1 » ونور الله تعالى يرد على القلب ، فيوجب له الاتصاف بصفة أهله في الدنيا ، والإعراض عنها ، ثم يثب منه إلى الجوارح ، فما وصل إلى العين أوجب الاعتبار ، وإلى الأذن ؛ أوجب حسن الظن ، وإلى اللسان ؛ أورث الذكر ، وإلى الأركان ؛ أورث الخدمة . والدليل على ذلك : أن النور يوجب عزوف الهمة عن الدنيا والتأني فيها ، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن النور إذا دخل الصدر انشرح وانفسح . فقيل : يا رسول الله ! فهل لذلك من علامة ؟ . قال : التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود " « 2 » وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : " لصافحتكم الملائكة في طرقكم ، وعلى فرشكم " « 3 » : إنما خص الرسول صلى الله عليه وسلم الفرش والطّرق ، لأن الفرش محل الشهوات ، والطرق محلّ
--> ( 1 ) سورة الشورى - الآية 13 . ( 2 ) روى الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن النور إذا دخل الصدر انفسح ، فقيل : يا رسول الله ! هل لذلك من علم يعرف ؟ قال : نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله ) المستدرك - الحديث رقم 7863 . ( 3 ) روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن حنظلة الأسيّدي - رضي الله عنه - قال : ( وكان من كتّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال : لقيني أبو بكر فقال : كيف أنت ؟ يا حنظلة ! قال : قلت : نافق حنظلة . قال : سبحان الله ! ما تقول ؟ قال : قلت : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . يذكّرنا بالنار والجنة . حتى كأنّا رأي عين . فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات . فنسينا كثيرا . قال أبو بكر : فوالله ! إنا لنلقى مثل هذا . فانطلقت أنا وأبو بكر ، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : نافق حنظلة يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما ذاك ؟ " قلت : يا رسول الله ! نكون عندك . تذكرنا بالنار والجنة . حتى كأنا رأي عين . فإذا خرجنا من عندك ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات . نسينا كثيرا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ! إن لو تدومون على ما تكونون عندي ، وفي الذكر ، لصافحتكم الملائكة على فرشكم ، وفي طرقكم . ولكن يا حنظلة ! ساعة وساعة " ثلاث مرات . صحيح الإمام مسلم الحديث رقم 2750 وكذا رواه الإمام أحمد في المسند 2 / 304 ، و 3 / 175 ، و 4 / 178 ، و 4 / 346 ، والترمذي في سننه الحديث رقم 2514 .